تفاعليّات/ تجاوبيّات/ تَصادِيات تركُّبيَّة ميزوْاختصاصيّة (يوميّات مضيئة في العمْق) -1-

السبت 17/5/2014 ظهراً..

ــ كان البارحة برنامج متعوب عليه في التشاركية في الفضائية السورية الرئيسية في البرنامج الصباحي الأسبوعي ليوم الجمعة ــ «صباحك سورية» ــ حول الدَّور التشاركي للفرد، وقد بدا أن وعي وإدراك التشاركية عندنا محلّياً سورياً/ وطنياً بات ينغرز في العمق بحقّ، ومن العمليات/ الظواهر الرديفة التي جاء المشاركون على ذكْرها: التفاعلية معتبرين أن نشوءَها كان منذ حوالي 12 عاما؟! ونظراً لكون التفاعلية من اشتغالاتنا الأساسية في هذه اليوميات مع منشئِها وتاريخها ومساراتِها، لذا أقترح العودة إلى تسجيلاتي حول هذه العملية/ الظاهرة، لكنَّ أكثر ما أريد التعْريج عليه الآن هو تركيزي على مفهوم ومصطلح التفاعلية/التجاوبيّة Interactivity أصولاً في كتابي المتخصص الصادر عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء ــ المعلوماتية والمجتمع … عام 2001، ولاسيما في سياق التعريف برؤى وآراء «مارتين» في مجتمع الاتصالات/ المجتمع التيليماتي (التيليماتيكي) وحديثه عن ««التلفزة الانعكاسية» (أو التفاعلية) Respond TV» (الصفحة 124 وَ125). اِقرأْ من ص125 أيضاً:

«ويصيغ «مارتين» تصوُّراتِه «التفاعلية» هذه في كتاب صادر في نيويورك سنة 1978 بعنوان «المجتمع المُوصَّل أو المُسلَّك».» ـ

– Martin J. The Wired Society . N. Y. , 1978…

تجدر الإشارة إلى أن ما أوردْناه في كتاب 2001 هذا هو من مواد منشوراتِنا الدورية في بيروت في النصف الثاني من التسعينيات، ومنه ما في السفير الثقافي أو في الكفاح العربي أو في كتابات معاصرة (المجلة الشهرية) أو في الفكر العربي (المجلة الفصلية).

ــ من المبرِّرات التي تشفع لمجامع اللغة العربية الابتعاد عن توثيق ابتكار المصطلحات، وتحاشيها أو تجنّبها لرصد نشْأة ومسار وتاريخ المصطلحات ككل/ إجمالاً، أنَّ هذه القضية شديدة الصعوبة والدقة والحساسية، مثال تجربتي مع ابتكار مصطلح التشاركية: حتى الآن ثلاثَ مرات في ثلاثة سياقات وثلاثة أزمنة وبصورة متقطّعة غير تواصلية ولا تراكمية في الذاكرة أي غير مترابطة فيما بينها لا زمنياً ولا سببيَّاً ولا كيانياً توحيدياً في ذاكرتي:

1ً ــ مرةً في سياق التحدّي والاستفزاز في أحد أعداد مجلة «الاجتهاد» الشهرية أو الفصلية الرصينة وكان محور العدد حول العولمة المطروحة حديثاً حينها على الفكر العربي (1997 أو 1998) وجاء في سياق إحدى الدراسات أنَّ أحداً من العرب لم يستطعْ إيجاد مقابل لكلمة كورْبوراتِزْم ــ Corporatism فوضعْتُ حالاً وارتجالاً مقابِلي الخاص: التشاركية وتركتُه هامشاً بقلم الرصاص ثمةَ في ذات مكان التحدي أو الاستفزاز الفكري،

2ً ــ ثم جاء تعريفي بفكْر آلْفين توفلر ولديه مصطلح أدهوقراطيا ــ Adhocracy المشروح جيداً كمعنى، لكنَّ أياً من المرجعيات اللغوية لم يُسعفْ في إيجاد تعريب ملائم، فابتكرْت ما ينسجِم مع دلالة المصطلح ومعناه، كلمةَ التشاركية مجدَّداً (بغير المعنى الذي أتى مقابلاً لكلمة كورْبوراتيزْم)،

3ً ــ ثم جاء دور تطوير كلمة مشاركة لدى اشتغالي بحثاً في لجنة ــ «المشاركة المجتمعية والتعليم» للتقرير السوري حول «التعليم والتنمية البشرية في سورية» 2003/ 2004، فكان تعاملي الجدّي مع الموضوع أدَّى/ أودى بي ــ بتدقيق أكبر ــ إلى تأليف كتاب كامل في المشاركة تطبيقاً على التربية والتعليم مما جابهني مع كافّة مصطلحات المشاركة في العربية في آخر «طبعاتها» بما في ذلك تقارير عربية في المشاركة من مئات الصفحات 2002 (فلسطين/ بير زيت) و2003 (مصر) وفيهما كل ما ابتدعَه العربُ واللغةُ والثقافةُ العربيتان من مصطلحات ذات صِلة بالمشاركة وَلم ينفعْني ذلك كله في إيجاد صفة من كلمة مشاركة ولا حالات اشتقاقية أخرى من هذه الكلمة التي باتت وبدت صَمَّاء غير قابلة للتصريف، فأخذتُ أبحث عن مرادِف لها يتقبَّل الاشتقاق والتصريف بمرونة أكبر، ووجْدت ضالَّتي في كلمة تَشارُك (كاسم) والتي منها تستطيع إعطاء الصِفات: تشارُكي وتشارُكية (تذكيراً وتأنيثاً)، ونظراً لِسعة المجال وخوضي فيه بمؤلَّف مُكتمل بحجم كتاب ارتأيتُ استخدام التشاركية كصفة ــ من جهة، وكاسم لاتجاهٍ جديد ــ من جهة أخرى، أي التشاركية كعقيدة أوْ مذهب: هي في العربية ذاتُها صياغةً كصفة وكاسم (كاتجاه) لكنَّك في الإنكليزية ستحتاج إلى كلمتَين منفصلتَين مختلفتَين للتمييز والتفريق بينهما: انطلاقاً من كلمة بارتيسيبيشين ــ Participation (مشارَكة)، الصفةُ هي بارتيسيباتوري ــ Participatory وهي كلمة موجودة، أمّا الاسم أو الاتجاه فهو بارتيسيباتورْيْزم ــ Participatorism وهو مصطلح إنكليزي غير موجود أوْ غير مستَخْدَم، لكنّه صحيح لغوياً من الوجهة الافتراضية النظرية، بل ويعبِّئ فراغاً ويحل إشكاليةً دلاليةً معنويَّة في جهاز اللغة المعاصر. وعلى كلٍ كنتُ أوضحْتُ هذه اللحظات والإشكالات اللغوية في محطات عديدة من منشوراتي «حول التشاركية»:  في مقالات دورية: نحن والتشاركية ــ قصة التشاركية + حول التشاركية، (منتصف العقد الأول للألفية)، ثم مجموعَين في كتابي «نحن والنظام الاقتصادي الدولي/ العالمي الجديد: مدخل عام» (2006)، وكذلك مرتَين في جزْءَيّ كتابي لعام 2009/2010 بعنوان منفصل كلَّ مرة حول التشاركية تأْسيساً وسيرةً: «أفكار ورؤى ومشروعات تأصيلية جديدة…»

وفي بعضها إشارة إلى هذا المصطلح الإنكليزي الغائب الذي يجب ملْء الفراغ به ــ Participatorism شبيهاً لفراغات مندلْييف في الجدول الدوري للعناصر والذي تَرك بعضَ العناصر الاستشرافية للتعبئة والاكتشاف مستقبلاً.

***

السبت 17/5/2014 ظهْراً

مِن مضمون الفصل الأول أو الثاني من كتاب «عملية الإبداع والإدراك الفني المقاربة التكامليَّة» (هيئة الكتاب/ دمشق 2014) المترجم عن الروسية (د. نزار عيون السود) تبيَّن أن هذه المقاربة «التكاملية»! ــ KoMnΛekcHblū noDχoD صارت اتجاهاً انفجارياً بتسريع وتصعيد خاص مع بدايات الثمانينيات، وذكّرني هذا كثيراً وبشدة وحِدّة بموضوعي المكتوب بالروسية على أعتاب ذلك ــ 1981/ بداية 1982 حول «نمو المعلومات والعملية التكاملية ــ العلْمية»، بل وبتحديدٍ أكبر الجانب التنظيمي في المسألة، لأن هذا الجانب من مقالي بالروسية حينها بدا أنه أثار اهتماماً شديداً مركَّزاً على أعلى المستويات، وأتى حينها إلى قسمنا العلْمي الأكاديمي ــ قسم الفلسفة لكليات العلوم الطبيعية في جامعة موسكو الرسمية (الحكومية) M.g.u/M r y ــ عليَّةُ القوم من الأكاديميين ليناقشوا تَماسَّاً وإشارةً خَفِيَّةً مضمونَ المقال الرئيسي: عمليات التكامل العلْمية ــ العامة، والتطبيقية ــ العامة، وكذلك وبخاصة التنظيميّة ــ العامة، وهكذا وجدْتُ أصداءَ ذلك تنفيذيّاً الآن في مراجعة وتصفُّح الكتاب الأخير المذكور، والذي تبيَنْتُ عبْرَه أنَّ لجاناً علْمية أكاديمية مركزية سوفييتية وطنية عامة قد تشكَّلت للدراسة التكاملية (المركَّبة) وللمقاربة والمنهجيات (الميتودولوجيات) التكاملية (المركَّبة) للإبداع كما للعلْم ولغيرهما: لجان مركزية أكاديمية متعددة الاختصاص للإغناء واستيعاب موضوع الدراسة بصورة أفضل وأعمق نوعياً: وهذا جانب من الإجراءات التنفيذية التنظيمية أكاديمياً ــ علْمياً منذ ذلك الوقت وبعْدَهُ ــ وبالتواشج والانسجام تماماً مع ــ مقالي المشار إليه نهاية عام 1981، والذي نشرتُه بالعربية عند عودتي إلى دمشق بدايةَ عام 1986 على حلقتَين (في كانون الثاني وشباط «في المسيرة» الأسبوعية)، ونظراً لشعوري بأهميَّتِه الوثائقية وضرورة توثيقه في أكثر من سياق ولأكثر من وظيفة صوَّرْتُ منه عشرين /20/ نسْخة للتوزيع والحفظ، خصوصاً وأنَّه يوثّق، إضافةً إلى ذلك، حديثي في تفاضل وتكامل العلوم مع المقاربة المركَّبة (التكاملية)، وأيضاً توليف هذا كلِه مع حديثي وثائقياً مذْ ذاك عن المشكلات: الكونية/ الكوكبية/ العالمية الشاملة/ البشرية ــ العامة… بهذه المنطوقات والمَلافِظ الموثَّقة تحديداً الموجودة في الأصل الروسي نهاية عام 1981، كما هي مطبوعة على حالها توثيقاً أيضاً بداية عام 1986 بعد أربع سنوات وفي العربية ذاتِها ــ وبهذه المصطلحات العربية التي استشرى «الوهْم والزعْم» العربي بأنها مِن أعمال وحصائل وحصاد التسعينيَّات، وكان الأكاديميون الأكارم الذين ناقشوا تطبيق وتنفيذ «منْطلقاتي» المكْنونة التكاملية ــ العلْمية (ابتكاراً أكانت أم استحضاراً) حينَها يُركّزون على الجانب التنظيمي ــ الاجتماعي من المسألة ومما ذكرته لِماماً وعبوراً كمبدأ وتوجُّه ضروريَّين في صلْب المقالة، وتساءل بعضُهم وصرَّح علناً وبوضوحٍ أذْكرهُ حتى الآن (منذ بدايات 1982 أوْ هكذا): يوجد اتفاق على المبدأ وعلى المدخل لكن التساؤل والنقاش يدور حول كيفية تطبيق ذلك وتجسيده على أرض الواقع ــ تمديده (بمعنى جعله مادياً ملموساً)، فها إنّي أكتشف متأخراً عبر كتاب في الفنون والآداب فلسفةً ومنْهجاً ــ كتاب عن المقاربة التكاملية ــ لدراسة الإبداع وعملية الإبداع، أنَّ لجاناً مشتركة تكاملية مركبة عبر اختصاصية وتعددية الاختصاص قد شكِّلت حينَها أكاديمياً وتحت جناح أكاديمية العلوم السوفييتية في بدايات الثمانينيات للتعامل تكاملياً مع الإبداع.

***

الأحد 18/5/2014 صباحاً

وحصل هذا في مجالاتٍ أخرى أيضاً وبطريقةٍ مشابهة لذلك تماماً وبذات المنهجية والمقاربَات.

من جهتي كتبتُ سلسلة أخرى من الموضوعات ذات الطابع المركّب والتكاملي عبر ــ الاختصاصي، بعد مقال 1981/ 1982، ومنها: الدور المركب التكاملي للفلسفة في دراسة وحل المشكلات الكوكبية/ مشكلات العصر الكبرى (1982)، ثم الطابع المركب المعقد التكاملي لقضايا الطاقة والفضاء ومسائِلهما (بداية 1983 باللغة الروسية ثم منشورةً عربياً عام 1986).

أخيراً إن محاولة الإمساك بزمام المنظومات المقعدة والإشكاليات المركَّبة باستنفار تعدد الاختصاصات للتعامل معها هي بحد ذاتِها محاولة لتنظيم فهمِها واستيعابها والتعامل معها أيضاً، أي أنها نوع من تنظيم وضبط وترشيد إدارة المنظومات لمنعِها من السقوط والانهيار، وسيقودك هذا كله إلى نواة وفحوى علم السينيرغيتيكا CuHepretuka (الطاقة المشتركة ــ الجهود المشتركة: معاً/ بالمعية: سواْ/سويةً…إلخ) وهو علم جديد تماماً من فروع وشعاب المنظوميّات، لم أجدْ أيَّ إشارةٍ إليه في مرجعيات وقواميس/ معاجم وموسوعات بدايات ومنتصف الثمانينيات، بل ولم أجدْ له أثراً قبل معجم/ قاموس التقدم العلمي ــ التقني الصادر لأول مرة عام 1987. ويمكننا أخذ العِبرة والاعتبار من جهود بدأت معزولةً وشبه فردية لتنفجر وتتصعَّد في تسارع وصولاً إلى تكوين نواة لِعلم جديد بدءاً من محاولة السيطرة على «المعلومات والعملية التكاملية العلْمية» لترجيح كفة التكامل على التفاضل أواخر عام 1981.. بالمناسبة لا تجد أيَّ تعريف بمصطلحات المركَّب KomnΛekc في بدايات وأواسط الثمانينيات ولا في نهاياتِها، ولا حتى في مرجعية التقدم العلمي ــ التقني المشار إليها كمرجعية أولى عام 1987، على الرغم من أن الأدبيات الحرة تعجّ وبغزارة بمصطلحات المركَّب علْمياً وأكاديمياً: المدخل (المنطلق) المركَّب أوْ المقاربة المركَّبة ــ الدراسات والبحوث المركَّبة ــ التحليل المركَّب ــ الطابع المركَّب / كومبليكْسْنَسْتْ ــ KomnΛekcHoctb … وإلى آخِر القائمة.

 

د. معن النقري

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *